ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

149

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

قال : يا رب وما مهرها ؟ قال : أن تعاشرها بالتي هي أحسن ، ولا تسبها ولا تسوء وجهها ، ولا توصل إليها بأذى ، فزوجه اللّه بها ، وأجلس لهم كراسي الذهب والفضة ، وعقد لهما عقدا بالأملاك ، وأمره أن يأكل منها ما شاء ، ولا يقرب شجرة الخلد أبدا ، فإبليس إلى الحيّة أتى ، وقال : هل لك أن أعلمك كلمات من عرفهن لا يموت ولا يبلى وتعبريني في فيك إلى أن أكلم على لسانك حواء ؟ فأتاها وقال لها : يا حواء ألا أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى ؟ فحلفته فحلف إني لكما لمن الناصحين ، وقد أمرها بالخديعة والويل والمكر إليه : يا آدم أسجد لك ملائكتي ، ألم أجعلك صفوتي ألم أخلقك بيدي ألم أبح لك جنتي ، ألم أزوجك بحواء أمتي ، فعصيت أمري ، وخالفت قولي ، وأردت التعب والعناء ، فنظر آدم مقصرا وقال : أستغفرك يا رب مما قد جرى لأنك قدرته علينا : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) [ الأعراف : 23 ] ، فأوحى اللّه إليهما قد قبلت توبتكما ، وأجبت دعوتكما ، يا آدم اسمع قولي ، وكن مطيعا ، واخرجا من الجنة واهبطا جميعا ، فهبط آدم وحواء وإبليس والطاووس والحية ، وقد مسخ الطاووس ، فنزل آدم « بالهند ووادي سرنديد » يقطع ليله بكاء ونحيبا ، فما برح كذلك حتى جرى دمعه كالأنهار ، فأنبت اللّه في ذلك المكان من جميع الأشجار ، وتلك الأشجار تتكلم بقدرة العزيز الغفار ، وقال الجبار وهو لا يرفع رأسه من الثرى حتى سمع النداء : أن يا آدم ارفع رأسك قد قبلناك فقال : يا رباه اجمع بيني وبين زوجتي حواء ، فقال اللّه : يا آدم لأجعلن بينكما على جبل ، أول ما وضعت الجبال تواضع لعظمتي ، فقلت لأجلعن يقف عليك من الخلق كل سنة ما شئت ، ولأرفعنك درجة عليهما ، فمن أجل اجتماع آدم وحواء سمي جبل عرفات ، وكان قد تغيرت صفتهما من حرّ الأرض وبردها ، ومن حزنهما على معصيتهما ، فأوحى اللّه إليه يا آدم احذر من إبليس أنت وولدك وولد ولدك ، فمن تبعه منكم خلّدته في النار سرمدا ، قال تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 78 ) [ ص : 78 ] ولم أقبل لك توبة ، وقد ألبستك وأبعدتك بعد أن كنت أقرب إليّ من الملائكة المقربين ، قال : قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) [ ص : 82 ، 83 ] قال اللّه تعالى : من عصاني فإلى الهاوية والعذاب المهين ، يقدمهم منكوس مهتور ومذلول ، بينت له ما في الكتاب العزيز ، فإنك لهم عدو مبين قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 ) [ ص : 84 ، 85 ] . يا هذا لا تؤثرن دنياك على آخرتك ، ولا تعبد حجر الذهب ، وانظر أين من كان قبلك ممن ملك ، وقهر وأمر وزجر ، كيف ذهب إن كان على غير صلح فهو لجهنم حطب ، الناس يتسببون للخيرات حتى يصلون إلى رب السماوات ، وأنت تجعل